محمد بن جرير الطبري
403
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
الروية تبيان الرأي ، وفي اعمال الرأي نصح الاعتزام ، والأمر الذي دعاني اليه أمير المؤمنين امر لا أتأخر عنه تثبطا ومدافعه ، ولا أتقدم عليه اعتسافا وعجله ، وانا في ثغر من ثغور المسلمين كلب عدوه ، شديد شوكته ، وان أهملت امره لم آمن دخول الضرر والمكروه على الجنود والرعية ، وان أقمت لم آمن فوت ما أحب من معونه أمير المؤمنين وموازرته ، وايثار طاعته ، فانصرفوا حتى انظر في امرى ، ونصح الرأي فيما اعتزم عليه من مسيري إن شاء الله ثم امر بانزالهم واكرامهم والاحسان إليهم . فذكر سفيان بن محمد ان المأمون لما قرأ الكتاب اسقط في يده ، وتعاظمه ما ورد عليه منه ، ولم يدر ما يرد عليه ، فدعا الفضل بن سهل ، فاقراه الكتاب ، وقال : ما عندك في هذا الأمر ؟ قال : أرى ان تتمسك بموضعك ، ولا تجعل عليك سبيلا ، وأنت تجد من ذلك بدا قال : وكيف يمكنني التمسك بموضعي ومخالفه محمد ، وعظم القواد والجنود معه ، وأكثر الأموال والخزائن قد صارت اليه ، مع ما قد فرق في أهل بغداد من صلاته وفوائده ! وانما الناس مائلون مع الدراهم ، منقادون لها ، لا ينظرون إذا وجدوها حفظ بيعه ، ولا يرغبون في وفاء عهد ولا أمانه فقال له الفضل : إذا وقعت التهمه حق الاحتراس ، وانا الغدر محمد متخوف ، ومن شرهه إلى ما في يديك مشفق ، ولان تكون في جندك وعزك مقيما بين ظهراني أهل ولايتك احرى ، فان دهمك منه امر جردت له وناجزته وكايدته ، فاما أعطاك الله الظفر عليه بوفائك ونيتك ، أو كانت الأخرى فمت محافظا مكرما ، غير ملق بيديك ، ولا ممكن عدوك من الاحتكام في نفسك ودمك قال : ان هذا الأمر لو كان أتاني وانا في قوه من امرى ، وصلاح من الأمور ، كان خطبه يسيرا ، والاحتيال في دفعه ممكنا ، ولكنه أتاني بعد افساد خراسان واضطراب عامرها وغامرها ، ومفارقه جبغويه الطاعة ، والتواء خاقان صاحب التبت ، وتهيؤ ملك كابل للغارة على ما يليه من بلاد خراسان ، وامتناع ملك ابراز بنده بالضريبة التي كان يؤديها ، وما لي بواحده من هذه الأمور يد ، وانا اعلم أن محمدا لم يطلب قدومي